الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
252
نفحات الولاية
ثم يتطرق إلى الطاووس ليكشف عجيب صنعه بما يحير العقول ويسوق الإنسان إلى حمد اللَّه والثناء عليه وتسبيحه وتقديسه ، فقال : « ابْتَدَعَهُمْ خَلْقاً عَجِيباً مِنْ حَيَوَانٍ وَمَوَاتٍ ، وَسَاكِنٍ وَذِي حَرَكَاتٍ » . المراد من الموات ، الجوامد كالأرض والسماء والنجوم والشمس والقمر ، وبعضها ساكنة والأخرى متحركة ( وإن كان هنالك رأي بحركتها جميعاً ) . والمراد من الابداع ، الخلق من غير مثال مسبق ، وهذا موضوع في غاية الأهميّة ، ذلك لأنّ جميع ما سوى اللَّه إنّما يحتذي الأمثلة المسبقة في تصويره وصنعه وابداعه . ثم خاض في شرح هذا الكلام فقال : « وَأَقَامَ مِنْ شَوَاهِدِ الْبَيِّنَاتِ عَلَى لَطِيفِ صَنْعَتِهِ ، وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ ، مَا انْقَادَتْ لَهُ الْعُقُولُ مُعْتَرِفَةً بِهِ ، وَمُسَلِّمَةً لَهُ ، وَنَعَقَتْ « 1 » فِي أَسْمَاعِنَا دَلَائِلُهُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ » . حقّاً أنّ الإنسان لو تعرّف على العلوم الطبيعية وخاض في دراسة عجائب خلقة موجودات العالم لإنطلق نحو اللَّه تبارك وتعالى . ثم تطرق الإمام عليه السلام إلى جانبٍ خاص من غرائب وعجائب العالم - الملي بالأسرار واللطائف - ليتحدث عن عالم الطيور ويشرح أسرارها ، فقال : « وَمَا ذَرَأَ « 2 » مِنْ مُخْتَلِفِ صُوَرِ الْأَطْيَارِ الَّتِي أَسْكَنَهَا أَخَادِيدَ « 3 » الْأَرْضِ ، وَخُرُوقَ « 4 » فِجَاجِهَا « 5 » وَرَوَاسِي « 6 » أَعْلَامِهَا « 7 » » « 8 » .
--> ( 1 ) . « نعقت » من مادة ( نعق ) على وزن برق ، تعني في الأصل صوت الغراب ، ثم أُطلقت على الأصوات التي تقاللأمر الحيوانات ونهيها عن الحركة ( 2 ) . « ذرأ » من مادة ( ذرأ ) على وزن زرع ، الخلق والإيجاد ( 3 ) . « أخاديد » جمع ( أخدود ) الشق الواسع والعميق في الأرض ويطلق على الوادي ( 4 ) . « خروق » جمع ( خرق ) على وزن زرع ، الصحراء الواسعة ، كما تعني الشقوق ( 5 ) . « فجاجها » جمع ( فج ) على وزن حج ، الطريق الواسع ، وتعني في الأصل الوديان الواسعة بين الجبال والتي كانت تجتازها القوافل ( 6 ) . « رواسي » جمع ( راسية ) تعني الثابت والراسخ ، ولذلك تطلق على الجبل ( 7 ) . « أعلام » جمع ( علم ) على وزن قلم ، بمعنى العلامة وتطلق على القمم والجبال ( 8 ) . احتمل البعض بشأن إعراب ما ذرأ أنّها عطف على ( ما انقادت ) ، كما قالوا إنّها معطوفة على الضمير في دلائله أو كلمة دلائله ، ولا يبدو هذا الاحتمال مستبعداً أنّها مبتدأ لخبر محذوف وتقدير الجملة وما ذرأ . . . من آثار صنعه وعظمته